جديد الموقع

  • المُشكلةُ والحَل لِترميم مُستقبل العراق ... المزيد
  • ما بعد تكريت وأخواتها ... المزيد
  • ما لا تريده إسرائيل من عاصفة الحزم!! ... المزيد
  • من كل 100 ألف عراقي واحد فقط ... المزيد
  • لأمريكا الجو وللقوات النظامية الأرض ومسؤوليتنا ممتلكات تكريت ... المزيد
  • العبادي يحدث ندماءه أنه فَشِل وقد يستقيل ... المزيد
  • السيفُ والهِلالانِ في تحالف سعودي تركي باكستاني ... المزيد
  • بغداد ستأخذ لقب أسوأ مدينة في العالم للمرة الرابعة ... المزيد
  • للموظف العراقي .. احذر ... المزيد
  • لماذا عاصفة الحزم نادرة ومهمة ... المزيد
  • عاصفة الحزم تكشف حلف إيران ... المزيد
  • عاصفة الحزم ... المزيد
  • الإخوان، شيخوخة السياسة ورشاقة الدعوة ... المزيد
  • موت إقليم البصرة ... المزيد
  • أكبر سرقة في تاريخ العراق ... المزيد

بنادق إيران وتركيا في العراق!

الكاتب: عامر الكبيسى

2015-03-21
حجم الخط

ثمة ترحيب من حكومة بغداد بالبنادق التي تُحمل لقتال تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وتبدأ هذه البنادق رحلة في تقوية أطراف على حساب أخرى، ودول على حساب أخرى، وتحالفات دولية على حساب أخرى، بنادق ضاحكة على بعضها البعض، وثمة جولة سريعة في تجليات مشهد البندقية وما بعدها.

بنادق التحالف:

بعض البنادق تعود لقوات التحالف، لإنشاء قوة عالمية ضد “الإرهاب” كوحدة واحدة، لكن ذاك التحالف له مآرب أخرى، بعضها إعلامي، وبعضها “مصلحي” يتعلق بالمستقبل.

هذا التحالف سيُبقي أمريكا كقائد أمني كبير للعالم، بيده القيادة والمعلومات والإعلام وحركة الأمن العالمي وامتيازاته الاستراتيجية، ولأول مرة تكون فرنسا المهمة جدًا مع الحلف ضد “الإرهاب” بهذا الوضوح بعد أن غادرته في احتلال العراق، وتسعى أمريكا لجر رجل تركيا فيه، وينتفخ هذا التحالف بوجه روسيا والصين وغيرها كحالة استعراضية.

ولأن معظم هذه الفوائد تحققت بالفعل كما تحققت فوائد احتلال العراق نفسه لإظهار أمريكا بتجليات القيادة الأمنية للعالم، فإن العمليات الحقيقية لسبب نشوء الحلف الجديد أو التي أعلنها لم ترَ النور بعد، إذ تشكل التحالف من أجل إنهاء “داعش” في الموصل، ولكنه لم يسعَ بعد لذلك، فداعش تصول وتجول في الموصل، ولم يؤثر هذا التحالف عليها، بل جعلها تمتد بعيدَا عن الموصل، لتصل للرمادي والفلوجة وتكريت والآن تحارب على جبهات أربعة، وتحارب في سوريا، وليس خافيًا أن عمل أمريكا بهذا الحلف يقتصر على طلعات جوية، لم تؤثر على انتشار داعش ووجودها في أي مدينة سيطرت عليها سابقًا.

بندقية إيران:

وهي بندقية متعجلة للغاية، تحرق الأرض والمراحل معًا، وربما يصدق وصفها بأنها أقوى البنادق في هذا الصراع، لأنها بندقية في الميدان وتمد وتؤسس وتدرب “الحشد الشعبي” وتعطيه السلاح الثقيل والخطط وتغير الخرائط، والحشد الشعبي قوة وليدة نادت لها المرجعية الشيعية في النجف يوم سقطت الموصل، وصار عندها ميزانية من الدولة، وأصبحت جيشًا شبيهًا إلى حد بعيد “بالحرس الثوري الإيراني”، وقد تكون قريبة منه في الشكل والمضمون مستقبلًا.

قاسم سليماني “رجل إيران في الشرق” وهو صاحب البندقية الإيرانية الأول، هو الذي يحشوها بالرصاص، وهو لا يعمل مستشارًا لأحد كما يحاول البعض وصفه، ومن يعمل مع قاسم سليماني في الشرق الأوسط يعمل تحته وليس فوقه، ولا يخفي ذلك أي قائد ميداني، فليس من المنطق أن يقاد شخص مثل سليماني من وزير الدفاع العراقي، أو من قائد الأركان، أو حتى من رئيس الوزراء حيد العبادي!! وأقل منهم هادي العامري رئيس منظمة بدر أو قيس الخزعل قائد عصائب أهل الحق.

وسليماني مرصود، ويعمل تحت طائرات أمريكا، وغرفة العمليات العراقية تنسق بوقت واحد بين التحالف وسليماني، في تجل آخر يشبه إلى حد بعيد، غرفة اللقاءات في سويسرا بين جون كيري وزير خارجية أمريكا ونظيره الإيراني جواد ظريف، وهما يتباحثان آخر تداعيات ملف إيران النووي، ويطلب كيري من إيران التنازل، وتطلب إيران من كيري رفع العقوبات.

بندقية تركيا والخليج:

ثمة بنادق مخفية أخرى، وضع فيها الرصاص، لكنها لم ترَ النور بعد، ولا شك أن تركيا تراقب بدقة “بندقية إيران في العراق” وتجلياتها في المنطقة، كذلك السعودية والأردن تفعلان الشيء نفسه، مراقبة بلا تدخل، أو تدخل ناعم اسمي مع “التحالف الدولي ضد الإرهاب وداعش على وجه التحديد”.

جاء العراق على طاولة لقاء “أردوغان والملك سلمان” ضمن ملفات أخرى، وصدر بيان سعودي نادر عند استقبال أردوغان من ملك السعودية، هذا البيان المقتضب تحدثت فيه الحكومة السعودية عن إدانتها الشديدة لمحو تراث الموصل “ودعت لجهد دولي عاجل لإنقاذ المدينة وتاريخها”، وهذه الإشارة المهمة للغاية دليل أن السعودية اتخذت منحى جديدًا في قضية العراق، وأنها تراقب وتنتظر، فداعش شنت هجمات على مناطق حدودية سعودية، وثمة معلومات عن اختراق بعض عناصر داعش للحدود، وهذا ما يجعل من قصة “الموصل” شأنًا داخليًّا سعوديًّا على المدى المتوسط!!

تركيا والعراق والتاريخ:

تركيا دولة عاقلة ولا تستعجل الأمور، فحين يصنع قرارها السياسي فإنه يمر بمراحل كثيرة، لا سيما بوابة “العلاقات الخارجية للدولة” فكل طير يطير في تركيا يؤثر على التنمية المستدامة فيها، وتحتاج “خلية العلاقات الخارجية” للإجابة على السؤال التالي: “ما هو تأثير تدخل بندقية تركيا في العراق على مستقبل تركيا وعلاقته بأوروبا والعالم؟”، وهل بندقية تركيا في العراق ستؤدي إلى ضرب مصالح تركيا مع إيران؟

العراق كان على مدار التاريخ بمثابة حزام جيوسياسي يبنى عليه موقع إيران وتركيا في توازنات الشرق الأوسط وربما العالم، ويمتد ذلك في التاريخ بعيدًا منذ ما قبل الفتح الإسلامي، وكان بين الروم والفرس، ثم بعد الفتح في صراعات متباينة أقربها إلينا الصراع الصفوي العثماني على بغداد، حتى وقوع العراق كمستعمرة بريطانية.

تركيا والحدود:

عندما تفكر تركيا بحدودها مع العالم العربي عامة فإنها تنظر لسوريا والعراق كبوابتين على أطرافها، تدلف من خلالهما السياسة والأمن والاقتصاد والمشاريع، وسوريا تشكل هاجسًا لتركيا أكثر من العراق الآن، وسبب ذلك أبعد من الجغرافيا أو التاريخ، أو أهمية النفط.

في العراق حديقة خلفية لتركيا تعزلها عن شظايا الفوضى المستعرة وهي “كردستان العراق” تلك التي عقدت اتفاقياتها ورتبت أمرها استراتيجيًّا مع تركيا، فصارت حليفًا مرغوبًا فيه.

الحفاظ على كردستان العراق مصلحة تركية اقتصادية واستراتيجية غير مكلفة، لأن كردستان قوية بالبشمركة وبالتحالف الدولي، والتهديدات الواقعة عليها لم تهزها أو تغير من سيطرتها على الأرض، ومن ذلك فإن العقود والمواثيق معها مستمرة ونافذة.

تركيا وسوريا:

بينما أوراق سوريا لم يرتب أي منها بعد، هي في طور تشكيل يمتد لسنوات طويلة قادمة، بين ما هو عربي وكردي، حتى تصل لمرحلة تشبه كردستان العراق، أو عربستان سوريا أو خليط من عربستان وكردستان سوريا بحدود تركية.

ستحتاج هذه المنطقة من سوريا، والتي تلاصق تركيا، وقتًا طويلًا لتُصنع سياسيًّا، ومن صناعتها أن يكون فيها زعيم أو نظام قادر على احترام اتفاقاته مع جيرانه، ولذلك فإن يد تركيا في صناعة هذا النموذج ممتدة، والبحث عن حليف مستقبلي لمائة عام قادمة ليس بالأمر الهين، هذه الصناعة لا تمر بشهر أو سنة أو حتى عقد من الزمن، نار هادئة جدًا، تورث طعامًا لذيذًا، خير من حريق لا يبقي طعامًا ولا يوهب شبعًا.

الموصل وكركوك أهم:

ولذلك فإن العراق ما بعد كردستان ليس مهمًا لدرجة كبيرة لتركيا حتى لو كان سُنيًّا، إلا في حالة واحدة قديمة، تلك التي تتعلق بتركيا والموصل وكركوك، لأسباب تاريخية، فالموصل حين انقطعت من حدود الدولة العثمانية قبل سقوط الخلافة ومع الحرب العالمية الأولى، أخذتها بريطانيا من غير قتال، وفق هدنة خاصة شملت تقسيم إرث العثمانيين، وسميت “هدنة مندوس”، ولأن الموصل أخذت من غير حرب، فإنها بقيت محل جدل شديد، فتركيا تقول إن الاتفاقيات التالية لم تشمل الموصل، وشملت ما كان في مناطق الحرب بعد الموصل، وبريطانيا أجلت البت فيها وأضافتاها كتحصيل حاصل للكيان العراقي المتشكل جديدًا في عام 1920، ثم إلى عام 1924، ونحن على أبواب مرور 100 عام بالتمام على اتفاقية سايكس بيكو، التي وزعت المنطقة، وكانت الموصل فيها محل خلاف بين بريطانيا وفرنسا وحصلت عليها فرنسا ثم أخذتها بريطانيا، وألغت شركة النفط التركية ذات العلاقة بالموصل، وحلت محلها شركة النفط العراقية، والتي يعود ريعها في جانب كبير منه في ذلك الوقت لبريطانيا.

احتلال الموصل والمقاومة:

بقيت الموصل في أعماق الأتراك كجزء من الأرض التركية هي وكركوك، ويغذي ذلك الشعور أن الموصل سقطت بيد داعش، وبمعنى آخر فإنها وللمرة الثانية تخرج من سلطة الدولة العراقية الاعتبارية، وتبقى سائبة، فبعد خروجها باحتلال أمريكا لها عام 2003، فإنها خرجت مجددًا على يد تنظيم داعش، ولم يعد للدولة أثر فيها.

حين خرجت الموصل من سلطة الدولة العراقية ووقعت بيد الاحتلال الأمريكي قررت تركيا التدخل في الموصل، وصدر بالفعل قرار من برلمانها، وكانت تركيا قد جهزت جيشها ضمن قوات التحالف في عام 2004، لكن الذي منع دخولها “بعض فصائل المقاومة العراقية السنية” وهيئات دينية وتيار القوميين والوطنيين، وبلا شك كل الشيعة والكرد.

خطأ المقاومة:

اعتبرت “المقاومة العراقية السنية” تدخل تركيا عسكريًّا في العراق احتلالًا، وكان هذا الموقف وفق مراجعات للفصائل نفسها أحد أسوأ القرارات السياسية للمقاومة في كل مراحلها، ومنعت بهذا القرار المتعجل على نفسها نقطة سياسية استراتيجية كان يمكن لها من خلالها الالتفاف وتحقيق مكسب سياسي.

تراجعت تركيا من الدخول العسكري للعراق، خوفًا على استهداف قواتها كما تستهدف أمريكا في العراق من بنادق المقاومة، وخاصة أنها كانت تستهدف البقاء في مناطق السنة بالعموم لا سيما الموصل والأنبار، ولا يمكن إقناع الشعب التركي بأن جيشه يقتل في العراق من مقاومة سنية!

المعركة المقبلة:

تركيا تراقب الآن أحداث الموصل، ومعركتها المقبلة، ولديها نفس ونقاش وإعلام يتحدث حول ضرورة التدخل قبل ضياع الموصل، لكنها لا تملك أوراقًا لهذا التدخل، لأنها لم تحرص على صناعة أوراق عسكرية وسياسية ودينية كما تفعل إيران، حتى فصائل المقاومة السنية التي اعترفت بخطئها القديم، فقدت قوتها السابقة وأصبحت غير مؤهلة أصلًا للقول إنها تقبل أو لا تقبل، أصبحت هامشًا سياسيًّا فقط.

تعرف تركيا أن التدخل العسكري المباشر من قوات الحشد الشعبي والقوات العراقية في الموصل قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، إذ ستفنى البنية التحتية للمدينة، ويقتل عشرات الآلاف الذين تتخذهم داعش الآن “دروعًا بشرية” وتمنعهم من الخروج، ثم أنها قادرة على إدارة أزمة الموصل بالتعاون مع الحلف الدولي، والتنسيق مع بغداد، لكنها متخوفة.

خطر سقوط الموصل:

ثمة خوف آخر على سقوط داعش في الموصل، أو السقوط الثالث للمدينة، إذ سيورث هذا “السقوط” تشظي قيادات داعش، وتكوين مجاميع لا مرجعية لها ولا أرض، فتقرر الانتقام من بغداد أولًا، ومن دول الجوار ثانيًا، لأن داعش قررت عدم الذهاب إلى بغداد بأمر عسكري من البغدادي نفسه، وانضبط كل جنودها في ترك بغداد وسامراء، من أجل الموصل، ولذلك فإن ارتدادات الموصل ستعيد العنف إلى بغداد.

كذلك فإن سقوط الموصل عسكريًّا سيفتح أبوابًا خطيرة على تركيا والأردن والسعودية على حد سواء، لأن المنهاج الفكري الذي تربى عليه هذا التنظيم يتحدث عن قتال “المرتد قبل الكافر الأصلي” فيترك مثلًا بشار الأسد ليقاتل الجيش الحر، وسيترك إيران ليقاتل تركيا والسعودية والأردن، انطلاقًا من نظرية وفكر، وهذا التشظي سيعجل بضرب مكامن هذه الكيانات، كما سيخلق مراجعات فكرية واسعة حول الجدل في داخل تنظيم داعش “لماذا تركنا بغداد وإيران؟” وإذا كان الظواهري قد منعنا من ضرب إيران سابقًا، فلماذا لا نضربها الآن وقد انحلت بيعة الظواهري.

مفاوضات ناجحة:

تركيا وربما هي الدولة الوحيدة في العالم التي أدارت تفاوضًا سريًّا مع تنظيم داعش لإخراج دبلوماسيين أتراك احتجزهم التنظيم في الموصل مع بداية الأزمة، وبالفعل نجح هذا التفاوض الغامض، الذي لم تظهر أسبابه وطريقته للعالم، ويبدو أنه أدير بواسطة “مافيات خاصة” لم تتدخل الحكومة التركية في عملها بشكل مباشر، وأدارت القصة من الخلف، لكنه نجاح مذهل للدبلوماسية التركية، حيث عاد المختطفون إليها، ويمكن البناء على هذا النجاح في رسم مستقبل الموصل نفسها، ولتجنيب المدنيين والمدينة ويلات الدمار، وتحييد البندقية الثقيلة ذات العواقب المدمرة.

ولا شك أن الوقت يمضي سريعًا، أسرع بكثير، من مطبخ القرار السياسي التركي، لكن أبطأ من خطوات إيران المتسارعة والتي تحرق المراحل، وقد تؤذيها سرعتها في حال حصول مناورة من طرف أقوى، وسقوط الموصل مجددًا سيجعل من البنادق تطلق رصاصاتها أبعد من حدود العراق بلا شك.

 

التعليقات

تعبر عن رأي كاتب التعليق

إضافة تعليق

رأيك يهمنا

CAPTCHA Image

مواضيع متعلقة