جديد الموقع

  • المُشكلةُ والحَل لِترميم مُستقبل العراق ... المزيد
  • ما بعد تكريت وأخواتها ... المزيد
  • ما لا تريده إسرائيل من عاصفة الحزم!! ... المزيد
  • من كل 100 ألف عراقي واحد فقط ... المزيد
  • لأمريكا الجو وللقوات النظامية الأرض ومسؤوليتنا ممتلكات تكريت ... المزيد
  • العبادي يحدث ندماءه أنه فَشِل وقد يستقيل ... المزيد
  • السيفُ والهِلالانِ في تحالف سعودي تركي باكستاني ... المزيد
  • بغداد ستأخذ لقب أسوأ مدينة في العالم للمرة الرابعة ... المزيد
  • للموظف العراقي .. احذر ... المزيد
  • لماذا عاصفة الحزم نادرة ومهمة ... المزيد
  • عاصفة الحزم تكشف حلف إيران ... المزيد
  • عاصفة الحزم ... المزيد
  • الإخوان، شيخوخة السياسة ورشاقة الدعوة ... المزيد
  • موت إقليم البصرة ... المزيد
  • أكبر سرقة في تاريخ العراق ... المزيد

جيمها وجيمها وجيمها .. كتابي عن موريتانيا

الكاتب: عامر الكبيسى

2013-11-13
حجم الخط

بنات اللحظة من عيون شنقيط الحلقة 1

 

 هذه أول الحروف، كأنه خيول مسرجة، تنطلق من حيث مكتبي وقلمي في الدوحة . متحدية حواجز المكان وثواني الزمان باتجاه بلاد شنقيط.،أو إن شئت قل أرض المنارة والرباط ، وإذ أبدأ على بركة الله ، مع قارئ هذا الكتاب رحلة خاصة عن تلكم الأرض والأصل فيها أهلها ، من هم وأين هم ، وكيف هم ولماذا اخترتهم هذه المرة .. فإني أحاول جهدي في الإتيان بما هو جديد ، ورؤيتي الخاصة في ما أرى وأسمع وأكتشف لقد اعتدت في كل مرة أردت فيها كتابة رحلة ما ، عن هذه الدنيا شرقيها وغربيها، أن أستخدم الكتابة على الكمبيوتر من فوري على عادة ادخال الجديد على الجديد ، حتى أن استخدام هذه الأداة الحديثة في الكتابة توهب صاحبها معنى نفسي ، فتلين كتابته وتسهل حروفه ، وتقترب ربما من السطحية دون العمق ، كأنها ثنائية الحياة والإيقاع السريع . لكنني هذه المرة اخترت الرجوع إلى أمري القديم وترك البدعة الجديدة في الكتابة ...فصار القلم سيدا فوق الحروف... تخرج من تحته طرية حلوة ، أشتهي مسك القلم ، إنما يمسك به العقل وليس الأصابع إلا أداة العقل ، الدواة وحبر قلم الباركر وجهان لمعنى واحد ، فالحبر هو شهقة العقل على الأوراق ، فلتنطلق لا أعرف لماذا كانت تروق لي نغمة القلم على الأوراق هذه المرة ، إنني أريد مثلا أن أكتب صوتها ألا نحب كتابة صوت من نحب ، هل جربت أن تكتب صوت القلم ، هذه تشبه من يريد كتابة صوت البحر حين ينزعج فيثور ، أو الهواءحين يقترب سعيدا أو غضبانا قرب آذاننا ، أو من يصف رائحة العطر التي هي من حاسة الشم دون سواها ، أويريد أن يقنعك أن هذه الموسيقى جميلة من غير أن تسمعها أو يدندن بها فمه . تروق لي الكتابة على الورق هذه المرة ، على غير عادتها في ماضيها القريب،إنني ما زلت أتخيل ما تحت يدي أو شهقة عقلي ،خذ قلمك وورقتك وحدق بالتقاء الحبر الأسود الذي بالورق الأبيض ، تتشكل في مخيلتي ثنائية مناقضة ، لثنائية ".... واشتعل الرأس شيبا.. لقد صار الأسود سيدا في الورقة ، وفي ثنائية الآية"واشتعل الرأس شيبا"... تمت السيادة للبياض ، حيث اجتاح سواد الرأس فانتصب عليه كالتاج ، حياة الشعر سواده وموته بياضه ، من المرات القلقلية التي يغلب فيها الأسود الابيض موطن الشيب ولئن دأب الكتاب وذووا المذكرات أو ما قالوا عنها في مرة من المرات أدب الرحلات ، على التدرج في أحاديثهم ، بدءا بيوم رحلتهم الأول ، ووصفا للمطار ، فالطائرة ، فظروف الإقلاعوحالة الاستقبال ، فإنني أعرض عن هذا النمط من الكتابة ، وأضرب عنه الذكر صفحا ساعيا إلى تجاوز المعتاد، راغبا في كتابة ما أراه مناسبا في شكل حلقات سأودعها أسرارا اكتشفتها بنفسي و سأحدث بها القارئ والمهتم،ذاك أن الطريقة اليوم تغيرت عما كانت عليه ، من منا لا يستطيع البحث عن الاشكال والأحجام والمساحات والشخصيات الشهيرة على موقع الكوكل مثلا ، هل عندما أكتب اليوم كتابا أقصد فيه موريتانيا على وجه الدقة ، أعود لأضع مدونة عن طول ساحلها ودول جوارها ومن كان فيها رئيسا وكأنني في درس جغرافيا ، لا أعتقد أن هذه المهمة لها من حيز الكتابة مكانا ،إنما أتحدث عنها بعيوني ، أعيد اكتشاف تربة حمراء في أقاصيها ما زال عبد الغني الحديثي في باريس أعظم خطاطي الدنيا يستخدمها ليثبت بها ألوان لوحاته الحمراء ، مستخدما طريقة العباسيين في الكتابة لايزيد عليها لونا أو شكلا ، ويحارب بتراب موريتانيا صنعة الكيماويين الذين غيروا معادلة اللون الطبيعي الى لون الصناعات وستخونني بلا شك عاطفتي كعادتها عندما يتعلق الأمر بمن أحب ، فأنا ـ وسيد الأدلة الاعتراف ـ ضعيف ، لا أقوى على التصدي لزوابع العواطف عندما تهب ، وفي الحقيقة ـ وحتى أكون أمينا مع القارئ ـ فأنا أعشق أهل موريتانيا ، فقد علمتني غرفة الأخبار في قناة الجزيرة مثلا أن التقي يوميا بكل الجنسيات العربية ، إنهم مادة لكل شيء ، اراهم أكثر من أبنائي وأهلي ، وما زلت عند قولي ، لم تبق في القلوب بقية صفاء وفطرة ، كما هي عليه عند الموريتانيين ، حين أتحدث مع أصدقاء منهم في الدوحة مثلا ، أتفهم أحدهم حين يقطع سلسلة الحديث معك ويغادر فورا من غير أن يسلم وكذلك الحال مع حديث الهاتف ، عندما تبدر منه تبدر من قلب طيب لا يتكلف ومعظمهم يفعلونها فيكل مرة ، النهايات عندهم على استقامتها ، فتخرج الأمور سجية لا تصنع فيها ، هذا أفضل من ذلك الذي يتحدث نصف المكالمة بالمجاملات ، وهو يعرف وأنت تعرف أنه يجامل وحسب ، أتعلم من الموريتانيين أن الاشياء بحقيقتها والإنسان بالقلب ، وما يأتي بعد ذلك يبنى على ما قبله . و أظنني سأكتب عُشارية كُبسية عن الشناقطة ، وستولد عشريتي هذه ولادة طبيعية لا قيصرية ، لن يكون فيها تَصَنُّعَ ولا تكلف ، سأذرها تطوي المكان إلى اللا مكان.. محدٍّثةً عما رأته العين، وأدركه العقل ، ثم أنها تحاول أن تتنفس اللغة ملء رئتيها، وربما قست قليلا عند أعتاب التنمية المهدورة في بلاد السواحل وثورة السمك المنهوب من المستعمرين الجدد، غضبى من إهمال الكبار للشباب، وما نتج عنه من هجرة للعقول الذكية والمدربة ، وهل تخسر موريتانيا اليوم أكثر من طرد الكفائات الذكية الشابة. ولست بناس في هذه العجالة أنني أكتب للكبار في فن الكتابة ، ويا ويلتاه من الكبار، لأن رهبتهم ستحبس مداد قلمي ، وتحول بيني وبين عفويتي المعتادة ، مع أنني سأقاومها في حدود الإمكان ، أعرف بعض الكتاب يضعون للتعليق في بداية كتبهم عبارات تذهب يمنة ويسرة لكن فحواها يعني أن الطريقة التي كتب بها هذا الكتاب ليست منهجية ، والمنهجية التي يقصدون إنما يريدون بها ذلك النمط القادم من تقسيم المادة العلمية وسبرها والبقاء عليها في رتم واحد كأنما الكتاب يمشي مشية رجال العسكر ، في الحقيقية هم يقولون هذا ليهربوا من ملاحقة عيون اصحاب الصنعة الذين يشبهون ضابط الجيش ، فيهربون الى أنواع أخرى من الكتابة . والحال كذلك مع معظم المتحدثين ، يذرع أحدهم المكان بعينيه ويراقب من يجلس عنده ويبدا بالحديث ، وفي عقله يقول إن فلانا العالم المتبحر في اللغة العربية قد أحصى لي حتى الساعة مائة خطأ لغوي ، فيخاف اللغة ويتلعثم بمادة العلم ، وبعضهم يقول من البداية ، نحن لا نحسن هذا فتجاوزوا عنا دقة اللغة الى المعنى ، أذكر ذلك المثال الذي اضربه عادة للمتفيقهين أو الذين يكثرون من مد شباك المصائد يلتقطون أخطاء الكلمات ، ويذرون كل المعاني حولها ، والمثل هو " ما لذ طبيب بطعام ولا نحو بكلام " فالطبيب يخشى اللحم على الهضم ، وغسل الخضروات على الفوات ، والسكر من مغالبة القدر ، بينما تكون أذن النحوي قاسية ، كمن يسمع نشاز الموسيقى ، يسمع نشاز تطاير اللحن الكلامي ، فإما أن يقول للمتحدث أو الكاتب أخطأت فيستريح قلبه وتنزل عليه الماء الباردة ، أو يدعها في قلبه فتحرقه حرقا كجمرة في قفص الصدر ، لهم الحق في ذلك لبعدنا عن اللغة وقوتها وجمالها ، ولنا الحق أن نعبر عن مكنوناتنا إذا كنا ضعافا في اللغة وأن يأخذوا الفحوى ، هل تريدون أن نقصي تسعة وتسعين بالمائة من الأمة لا يحسون صنعة الضبط القواعدي ، وأتذكر بعض الأفكار يوم قررنا أن نطلق مشروعا شبابيا على الأنترنت ، في حينها كان بين أيدينا قرار جريء ، يكسر قواعد غرف الأخبار في الإعلام ، وهو أن ندع الشاب يكتب ما يريد ، ولن نصلح له حرفا واحدا مما يكتب ، فننشر السقيم من الكلام والمعاني ، ثم الجمهور بعد ذلك يستدرك ، كان ذلك في تأسيس موقع الجزيرة توك ، نريد للكاتب أن يصعد أول السلم ، ويستكشف نفسه بنفسه ، بعد عام من هذا كلهم تحسنوا وصاروا يراقبون أنفسهم ويعرضون على غيرهم ، إذن يمكن أن نقول أن المدققين اللغويين في موريتانيا وفي العالم بشكل أبعد عليهم أن يأخذوا نفسا عميقا ويتساهلوا مع النشأ الذي تربى في بيئة تكاد تنحرف عن المقصد والمطلب والفكرة ، فلا تقطعوها عليهم فيخافوا ، بل مدوا اليهم يدا رقيقة وسيصلحون لغتهم وطريقة عرضهم لأفكارهم تباعا فاهلا الآن بالكبار المتعقلين ، الذين يفهموا حاجات الشباب ، فهي شبيهة بالبعد السياسي والاقتصادي ، فالتكوين لكل أحد ينبع من مجمعة أشياء تسمى فيما بعد الحياة ، تتشكل بالأجزاء والنفس حجر فيها مثل العقل والتلقي ، فهذا من هذا ، واللسان بيان . المحظرة في الأطلسي 2 كان يا ما كان، عند بلاد تجاور جغرافيتها أمريكا ،و لتصدقني يا فتى ، إن لم تكن قد شاهدت الخريطة فعد وشاهدها الساعة ، فما بين انواكشوط وانيويورك ليس سوى مياه ، مياه فقط ، طالت أو قصرت تبقى مياها ، بلدان متجاوران رغم أنف التنمية والسيادة و جديد القرون الثلاثة الخاليه . كان يا ما كان فيما عرف قديما ببلاد الملثمين أو بحر الرمال ، وإن شئت قل : بلاد التكرور أو بلاد صنهاجه ، موريتانيا كما سماها المستعمر الفرنسي كان يا ما كان أنه دخل الإسلام إلى هذا المنكب من الأرض ، يوم غرس عقبة ابن نافع رمحه على شاطئ بحر الظلمات رضي الله عن عقبة ومن عقب عقبة ، أو المحيط الأطلسي كما سمي بعد ذلك ، راج الإسلام وذاع صيته ،وما إن اشتد عوده وقويت شوكته ، حتى بدأ الدعاة والمجاهدون من أهل هذه الأرض يستشرفون المستقبل ، ولسان حالهم يقول : أيبقى الإسلام بيننا ونسكت عنه ولا نرسله إلى الأمم من غيرنا لتهنئ وتتعلم ، هكذا انطلقت الفتوحات ، وبدأت قوافل الدعاة تجوب مهامه إفريقيا حاملة كلمة لا إله إلا الله يصدق فيهم قول شاعرهم وعالمهم المختار بن بونا الجكني : ونحن ركب من الأشراف منتظم *** أجل ذ العصر قدرا دون أدنانا قد اتخذنا ظهور العيسمدرسـة *** بهـا نبيـن ديـن الله تبيانـا ولأن الإسلام مرتبط بلغة العرب ارتباط الشيء بظله ، فقد راجت سوقها ، وبلغ الناس من التضلع في علومها وعلوم الشرع مبلغا جعل المؤرخين يتحدثون عن مرحلة مرت بها مدينة موريتانية مندثرة تعرف بتنيكي بالكاف المعقودة، كانت توجد فيها أكثر من أربعين فتاة تحفظ موطأ مالك ،ومن المعلوم أن الموطأ يقع في نهاية الهرم التربوي لدى القوم ، فيجب أن يسبقه حفظ القرآن ، وإتقان متون اللغة وتمر الأيام ، ويأتي عامر العراقي سليل البصريين والكوفيين ثم البغداديين من شرق العالم العربي "العراق" حيث البوابة الشرقية إلى منتهاه في ناحية المغربالإسلامي *موريتانيا *، يأتي والأقدار قبالته ، يراقب كفة الميزان اليسرى ويقارنها بكفة الميزان اليمنى أو قل العراق وموريتانيا ، وليست الأرض أعني ، إنما ما حوته عقول القوم من العلم وأدواته وطريقته ، وهي شبيهة بنخلة عبد الرحمن الداخل ، وما أهاج له شموخها وسط الرصافة من لواعج وهموم: تبدت لنا وسط الرصافة نخلة تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت : شبيهي في التغرب والنوى وطول التنائي عن بني وعن أهلي أتجول الساعة في انواكشوط عاصمة موريتانيا ، أستنشقها وما هي غير رائحة ما فات ، هل هي الكوفة مثلا قبل الف وثلاثمائة عام ، هل من يجلس في حلقة علم أو محظرة في الجامع السعودي يشبه الكسائي وإخوانه في حلقاتهم ، وهذا هشام بن معاوية الضرير، وغير بعيد منهما ينتصب الفراء وثعلب والأنباري في حلقاتهم التعليمية ،ثم يجالس عامر في أحياء انواكشوط الراقدة على رمال الصحراء الذهبية كبار المدرسة البغدادية :بدءا بابن كيسان والزجاجي ، ومرورا بأبي علي الفارسي وابن جني ، و انتهاء عند الزمخشري يتأوه مخاطبا نفسه في حوار داخلي : أهذه البصرة والكوفة وبغداد في القرنين الثاني والثالث للهجرة !! لقد راوده التفكير أكثر من مرة لو كان حاضرا يوم أنشد الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديا قوله: كخلف الليث والنعمان طورا = وخلف الاشعري مع الجويني وأوراد الجنيد وفرقتيه= إذا وردوا شراب المشربين وأقوال الخليل وسيبويه = وأهلي كوفة والأخفشين نوضح حيث تلتبس المعاني=دقيق الفرق بين المعنيين وأطوارا نميل لذكر دارا =وكسرى الفارسي وذي رعين ونحو الستة الشعراء ننحوا=ونحو مهلهل ومرقشين وشعر الأعميين إذا أردنا=وإن شئنا فشعر الأعشيين ونذهب تارة لأبي نواس=ونذهب تارة لإبن الحسين لكان له معه شأن لا يختلف كثيرا عن شأن الشاعر السوري نزار قباني مع مضيفته الإسبانية ، التي أورد قصته معها في قصيدته التي مطلعها : في مدخل الحمراء كان لقاؤنا ما أطيب اللقيا بلا ميعاد يبدو أن أسرار اللغة انتقلت بحفظ الله ورعايته من العراق في شكل طائر أبيض جواب ، شاء له خالقه أن يضع عشه الجديد في شنقيط ، فتصبح اللغة مملوكة هي وأدبها وأشعارها وعلومها للموريتانيين.. أحاورني : مهما بلغ هؤلاء من تبحر في اللغة وتحكم في معاجمها ، فأنا جدهم ، لأن علمهم سليل علمي ، ويرتد إليه الجواب : لكن ولدك سيكون في علمه حفيدا لهؤلاء ، فالعلم دول كما الأيام

الإذاعه في خبر الدراعه 3

أنظر هناك .. كيف تبقى أمتارها العشرة أ وتزيد .. على الكتف لا تسقط ؟!!!.. ... قلت لصاحبي وأنا أنظر إلى الدراعة لأول مرة كنت أخال الأمر لا يخرج عن وجود زرار أو لاصق يمسكها حتى تثبت ، لكن الأمر بدا على خلاف ما تخيلت إن لبس الدراعة وطرق التعاطي معها حديث ذو شجون ، فمهما كانت سحنتك ومشيتك فإنك عندما تلبس الدراعة لأول مرة ستجد نفسك أمام اختبار القدرة ، وخاصة في طرائق التثبيت ، ولي الجوانب على الكتف باحترافية ، ثم آلية المشي ممشوقا لا يعتريك سقوط ولا عرج . وأقوى الاختبارات سيكون ساعة الصلاة ..لأنك أمام حركات منسقة لتثبيت الدراعة ،تابعت باهتمام بالغ بعض المتمرسين أثناء تأديتهم للصلاة فوجدت الواحد منهم يسحب جانبيها يمينا وشمالا ليلم شتاتها المتفرق ، ويستجمع قماشها الفضفاض ، ليصفها بعد ذلك جميعا إلى الأمام ، وكأنه يريد لها أن تتجه معه نحو القبلة ، قلت في نفسي من تمكن من إدارة دراعته في الصلاة فقد نجح وإذا كان علماء الإجتماع يقولون :إن ثياب الأقوام وهندامهم ينبع من بيئتهم ومعتقدهم وأعمالهم ، لذلك يلبس من يريد صعود الجبال سروالا فضفاضا مثل زي الأكراد ، ومن تخنقه درجات الحرارة الصاعدة ويبقى معظم وقته ماكثا لا حركة له ، يتقي الحر اللاهب ، فيكفيه ثوب خفيف أشبه ب " الدشداشة " إذا كان قول علماء الاجتماع هذا صحيحا ، فإن الدراعة استجابة طبيعية لعامل البيئة ، استنتجت هذا التصور يوم صعدت على كثيب عال في صحراء تتحرك رمالها كما يتحرك جسد الأفعى ،وفجأة هبت عاصفة لم تكن تخطر لي على بال ، فصارت الرمال كالبحر الهائج ، وكاد النفس ينقطع ، ففتحت أزرار القميص وجذبته إلى الأعلى مدخلا وجهي بين حافتيه ليبعد عني الرمال القاسية، أدركت حينها أنني لو كنت ألبس الدراعة سيكون تعاملى مع العاصفة أهون ، إنها إذن دواء شاف لرمال الصحراء ثم إنها مظلة كافية للرأس يوم الحر الشديد ، فكونها واسعة كبيرة تمكن لابسها من رفع بعضها إلى أعلى الرأس ، ليحتال على الشمس الحارقة ، ثم إنها ثياب للنوم إن لم يتيسر المكان ، قل باختصار إنها قد تشكل لصاحبها ملبسا وفراشا في الوقت ذاته خاصة في الظروف الإستثنائية ....إن كل ما تقدم يفيد أن الأمم إنما تلجأ إلى ابتكار أدواتها وفقا لحاجتها ثم بعد ذلك تدخل عليها بهرجة من الألوان والزينات لتصير مقبولة أو تنقلها من مستوى تلبية الحاجة إلى مستوى المعطف الحضاري الذي يقدم للجمهور . وفي الدراعة لونان أساسيان – والحديث عن دراعة العرب دون الزنوج- أولهما الأخضر وهو ليس بأخضر إنما هو أزرق سماوي لكنهم يسمونه "أخضرا " وفي هذا النوع عدة درجات لاسيما لدى الشباب بين غامق وفاتح والخلاف يكون في التطريز الموجود ونوعية القماش و يأخذ النقش أبعادا هندسية لا تبدو دقيقة، وكأنها غير مدروسة. وتختلف السعة في النقش باختلاف اللابس وذوقه ، بل وإمكاناته ومستوى استعداده لاحترام مظهره وهنا لا بد لي أن أدون أنني ربما كنت أول من أكتشف في موريتانيا أن سعة جيب الدراعة الكبير ، تمكنه من إخفاء جهاز شركة أبل الشهير " الآي باد " ولا أظن أن هناك ثوبا يمكن أن يحمل في جيبه جهازا بهذا الحجم غير الدراعة وإن وجد فنادر لبست الدراعة ذات يوم ومشيت في بعض الطرق وعندها لا حظت أن مساحة الجيب متسعة ، فوضعت جهاز الآي باد في جيبها ، ثم داعبت بعض أصدقائي قائلا : إنني وجدت اختراعا في دراعتكم وأسميته " بدعة البلاد ...في إخفاء الآي باد " وأخرجت لهم الجهاز من الجيب ، لكن أيا منهم لم يكن قد أمسك هذا الجهاز بيده، وقليل منهم سمع عنه في تقارير تلفزيونية أو شاهد صوره في الانترنت ، فسجلوها لي كبراءة اختراع ... كانت مزحة تجاذبنا بها أطراف الحديث بعض الوقت . أما اللون الثاني من الدراعة فأبيض ، وهو أبيض نقي ، وأظنه بقي في القوم لأن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في لبس البياض فنافسه اللون الأزرق ،فصار من يلبسه أقل لأن الأبيض في بيئة الصحراء يحتاج إلى الكثير من الصيانة والتنظيف وقد يكون طرزهما على شاكلة واحدة ، ويستحب في النقش اللون الترابي أو الجوزي الشبيه بلون الجلود المدبوغة ، لكن الحداثة أخذت أمرها في النقش وفي دخول الماكنة للخياطة والتطريز فالأصل أن تحاك الخيوط والنقشات باليد ويستغرق فيها الصانع أسابيع ، لكن الشباب استسهلوا الأمر وراقهم سعر الماكنة الرخيص فتركوا صناعة اليد إلى صناعة الماكنات، وإني مع مذهب صناعة اليد ، وهو الأرقى قطعا ، وأتمنى أن يكون لكل واحد من شباب موريتانيا دراعة خاصة صنعت باليد ، حتى لو كان ثمنها غاليا جدا ، خوفا من اندثار العائلات الماهرة و العارفة ببواطن الصنعة ، فهي فن جيد يحتاج إلى تطوير ، وإبداع نقشات جديدة ،وإدخال قصات ومركبات في جسد الدراعة ، من فعل اليد وليس الماكنة . أما عني فقد أحببت فيها اللون الأبيض على أن الغالبية من هواة "الخضرة " وأخذت نقشا يميل إلى اللون الرصاصي . ولي مع الدراعة قصة لا تنسى مفادها أنني كنت في مأدبة عشاء حضرها أكثر من مائة ضيف عند منزل الشيخ محمد الحسن بن الددو ، وبعد أن فرغنا من العشاء كنت أتحدث مع الصديقين الحبيبين – كرار و أوفى – عن بعض الأمور، حينها طلب الشيخ أن يأتي إليه الأخ أوفى وبعد دقائق رجع إلي أوفى ليخبرني أن الشيخ أمره بأن يعطيني دراعته الشخصية ، أي دراعة الشيخ محمد الحسن الددو التي يلبسها ، وهذه وعلى ما فهمت إكرامية كبيرة عند القوم ولم تمنح من الشيخ لأحد قبلي كما حدثني الأخوة ، ولكنه باع في يوم عمامته لصالح دعم غزة ، فصار الشباب يغبطونني على ذلك ، وكانت إشارة أحببتها من الشيخ الددو إلى أنه يريد إكرامي بشيء كبير وقد فعل – فجزاه الله خيرا . ويتم تصميم وخياطة الدراعة وتطريزها بطرق خاصة كثيفة وغالية الثمن محليا إما يدويا أو بالماكينات، وتعتبر هذه الخياطة في حد ذاتها فنا يؤكد أصالة وتميز هذا الزي الذي ظل يتحدى كل المتغيرات، فمع التقدم الحاصل في مختلف المجالات فإن الدراعة لا تزال هي زي الرجل الموريتاني الأول فلم تستطع البدل الرسمية والملابس الحديثة أن تزعزع مكانتها وهو الأمر الذي ظل يطرح الكثير من الاشكالات عند البعض حول مدي ملاءمتها لمتطلبات العصر خاصة في أماكن العمل فأغلب الرجال يحرصون علي ارتدائها بشكل دائم ويتذمرون من أن بعض المؤسسات تمنع ارتداءها أثناء الدوام مثل البنوك

الجامع الموريتاني ومالم أفعله في حياتي

كل شرقي سيدخل مسجدا بموريتانيا سيلاحظ وباستغراب اندماج الناس مع المسجد، إن قلت إنه مسجد صدقت ، أو قلت إنه سكن صدقت ، أو قلت إنه مدرسة صدقت . هو كلها وأزيد نصف الموجودين قبل الصلاة مستلق على ظهره ينتظر إقامة الصلاة ،أرجو من الشرقيين الذين يطالعون هذه الكلمات أن يتريثوا ولا يضحكوا ، فالعبرة بالقادم ، هل هذه هي اللوحةالقرانية التي نكررها باستمرار (( .. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم…الآية )) هل يجسدها هولاء ، إنهم يجسدونها نعم ، بل ويجسدون أمورا أخرى سىنأتي عليها بعد قليل . وإذ أن نصفهم مستلق على الأرض ، فليس بمستغرب أبدا أن تتجه رجل المستلقي الى الأعلى ناحية وجه الجالس الهابط للتو لركوعه يسبح ربه العظيم، فالأمر دارج . وأريد أن تقترب معي أكثر لتفهم، إنما وصفي هذا المشهد لأقول إن الأمر أصل في علاقة الإنسان بداره ، وبدار أخرى مماثلة تتشكل في المجتمع على أنها المرجع لاستيعاب تدرجات حياة الإنسان حيث كان وكيف كان . يعطيني هذا الأمر انطباعا عاما حول حالة التعايش والتكاتف الداخلية للمجتمع الموريتاني وهو بالضبط ما تثبته النصوص الأولى من علاقة المسلمين بالمسجد ، وتسطر الصفحات الوليدة من حاضرنا ، أن هذا الجيل في الشرق يرتكب بدعة" القداسة " المفرطة مع المساجد، فيضيع على المسجد دوره الأبوي والقيادي والعبادي بحجة ... صلوا .. ثم بعد انقضاءالصلاة أنتشر في الأرض على مبدأ ما لله لله وما لقيصر لقيصر ... وهكذا استفادت من هذه البدعة الدخيلة على الإسلام ومساجده الأجهزة الأمنية والمخابراتية في حربها على المدرسة الإسلامية في كثير من الدول. فمن غيرها يتمنى أن تغلق الأبواب بعد ربع ساعة وينتهي المحفل . أظن أنهم نجوا من التقديس الكاذب ، في موريتانيا كأن المسجد يرجع إلى أول أيام الرسالة..فالناس تتداخل معه وتنتمي إليه ، وتستلقي فيه ، وتتجمع فيه ،وتقضي أمورها وتتحاكم في مظالمها اليه . بل حتى إنها ومن فرط قربها إليه تؤذيه ببعض جهل الجاهلين، وأهل موريتانيا يعرفون ما اقصد ، لكن الجهل بنظافته وأجوائه من قبل البعض إنما هو منعكس من الفهم الطبيعي لدورالمسجد باعتباره مرجعا مجتمعيا للعبادة والحياة ولو فطن الناس للأمر لوجدوا بدعة التقديس أكثر ضررا من غيرها. آثرت أن تكون لي تجربة على أرض الواقع مع المسجد وأسراره لدى الشناقطة , فاخترت يوم الجمعة ليكون بداية المشوار ," دخلت المسجد ظهيرة يوم الجمعة والإما يخطب ، استلقيت على الأرض مثلهم متخذا من الدراعة التي ألبسها وسادة وغطاء. أمامي مع الأضواء الخافتة جدا ، وأقول في نفسي وأنا أمشي في المسجد وكأن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه – الصحابي العظيم سيكون إمام الصلاة ،ولو أردت الحداثة قليلا أو البغددة ، لكنت ملتفتا عَلِي أرى حاكما من بني العباس إماما، وها قد فعلت فعلتي التي فعلت ونمت مضطجعا فجرا بين الأذان والإقامة كما يفعلون ،وإنها للذة حرم منها الشرق كله . ذهبت مرة أخرى لأشاهد أكبر مسجد في موريتانيا ، يسمونه "الجامع السعودي " لم اصل المغرب بعد ،بيد أنهم أقاموا الصلاة ، لقد جاء الإمام ، لكنه لم يأت كما اعتدت على ذلك منذ زمن طول، من خلف الصفوف يقطعها ثم يكون على رأسها في المنتصف. إنما جاء الإمام الموريتاني في الجامع الكبير بنواكشوط من جانب اليمين ، إنه قادم، يذرع الأرض من أمام المصلين جيئة وذهابا، ينظر إلى الصفوف بندية ويقترب لها .. كأنما الصنعة له وحده ، لقد صارت النظرات خطوطا تحت عينيه العتيقتين ، إنها تدل على مزيد من الدقة . وقد استوت الصفوف أو كادت بعد مشيته ، ،بينما يهيم الصوت الجهوري الأجش منطلقا ومسموعا فوق مدائات المسجد مع مشية الإمام .. أن .. يا أيها المصلون ، استووا ، اعتدلوا في صفوفكم... اللــــه أكبر .. ما عاد في الصف من عوج . إنها حركة كانت دارجة عند السلف ، وأشد الناس فيها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،وفيها درس عظيم أبعد من لحظته التي نحن فيها الان "لحظة الصلاة . هذا درس التنظيم في الحياة كلها من مدرسة "استووا" ، فمن شاء فليفهم أنه للصلاة ومابعد الصلاة حين يذهب للمجتمع فينتظم المجتمع كما انتظم الصف ، ومن شاء فليترك ، على أنه قد يفهم يوما من كثرة الترداد ، وكلما يصلي أكثر كلما سيؤذن بمزيد من فهم سر التنظيم في الصلاة إذ ينسحب إلى الحياة . هل عرفنا الآن أننا وكمسلمين في طول بلاد الله وعرضها نظلم أنفسنا ببدعة الخيوط ، تلك الخيوط أو الألوان التي نضعها أمامنا لتسوي الصف لنا ،وتقطع عنا التواصل البشري مع بعضنا البعض لنستوي وقوفا ضمن إطار منهج التنظيم العملي إننا ومع الأسف، وبجهل منا بما تحمله حركة الإمام من دلالات وتبعات اجتماعية ، رحنا نضع خطوطا يراها الناس ويقفون فيها بانتظام ، جاهلين أو متجاهلين أنه كان من الممكن وضع هذه الخطوط في عهد الرسالة الأولى ، لكن الأمر وعلاقته بتنظيم الإنسان في كل حياته انطلاقا من هذا الصف ومتابعة إمام الصلاة له إنما هو المقصود .. هو المقصود يا ايتها الأمة ، فتبا لتلك الخطوط الخارجة عن سياق معناها ، وإنني لأتمنى أن تزال بدعة الخيوط والألوان التي ترتب صفوف الناس ،إلى أن يرتب الناس أنفسهم بواسطة حركة الإمام . الى أين ذهبت ، إنني في موريتانيا لم أزل ، فعلام هذا الاستطراد الطويل ، لا ضير ، لنعد إلى موريتانيا ونحكي بعضا من حكاياتها فارتقب كل شرقي سيدخل مسجدا بموريتانيا سيلاحظ وباستغراب اندماج الناس مع المسجد، إن قلت إنه مسجد صدقت ، أو قلت إنه سكن صدقت ، أو قلت إنه مدرسة صدقت . هو كلها وأزيد نصف الموجودين قبل الصلاة مستلق على ظهره ينتظر إقامة الصلاة ،أرجو من الشرقيين الذين يطالعون هذه الكلمات أن يتريثوا ولا يضحكوا ، فالعب This message has been truncated Show Full Message Reply, Reply All or Forward | More Me To aboubekrinehamety@gmail.com Oct 17 بنات اللحظة من عيون شنقيط الحلقة 1 هذه أول الحروف، كأنه خيول مسرجة، تنطلق من حيث مكتبي وقلمي في الدوحة . متحدية حواجز المكان وثواني الزمان باتجاه بلاد شنقيط.،أو إن شئت قل أرض المنارة والرباط ، وإذ أبدأ على بركة الله ، مع قارئ هذا الكتاب رحلة خاصة عن تلكم الأرض والأصل فيها أهلها ، من هم وأين هم ، وكيف هم ولماذا اخترتهم هذه المرة .. فإني أحاول جهدي في الإتيان بما هو جديد ، ورؤيتي الخاصة في ما أرى وأسمع وأكتشف لقد اعتدت في كل مرة أردت فيها كتابة رحلة ما ، عن هذه الدنيا شرقيها وغربيها، أن أستخدم الكتابة على الكمبيوتر من فوري على عادة ادخال الجديد على الجديد ، حتى أن استخدام هذه الأداة الحديثة في الكتابة توهب صاحبها معنى نفسي ، فتلين كتابته وتسهل حروفه ، وتقترب ربما من السطحية دون العمق ، كأنها ثنائية الحياة والإيقاع السريع . لكنني هذه المرة اخترت الرجوع إلى أمري القديم وترك البدعة الجديدة في الكتابة ...فصار القلم سيدا فوق الحروف... تخرج من تحته طرية حلوة ، أشتهي مسك القلم ، إنما يمسك به العقل وليس الأصابع إلا أداة العقل ، الدواة وحبر قلم الباركر وجهان لمعنى واحد ، فالحبر هو شهقة العقل على الأوراق ، فلتنطلق لا أعرف لماذا كانت تروق لي نغمة القلم على الأوراق هذه المرة ، إنني أريد مثلا أن أكتب صوتها ألا نحب كتابة صوت من نحب ، هل جربت أن تكتب صوت القلم ، هذه تشبه من يريد كتابة صوت البحر حين ينزعج فيثور ، أو الهواءحين يقترب سعيدا أو غضبانا قرب آذاننا ، أو من يصف رائحة العطر التي هي من حاسة الشم دون سواها ، أويريد أن يقنعك أن هذه الموسيقى جميلة من غير أن تسمعها أو يدندن بها فمه . تروق لي الكتابة على الورق هذه المرة ، على غير عادتها في ماضيها القريب،إنني ما زلت أتخيل ما تحت يدي أو شهقة عقلي ،خذ قلمك وورقتك وحدق بالتقاء الحبر الأسود الذي بالورق الأبيض ، تتشكل في مخيلتي ثنائية مناقضة ، لثنائية ".... واشتعل الرأس شيبا.. لقد صار الأسود سيدا في الورقة ، وفي ثنائية الآية"واشتعل الرأس شيبا"... تمت السيادة للبياض ، حيث اجتاح سواد الرأس فانتصب عليه كالتاج ، حياة الشعر سواده وموته بياضه ، من المرات القلقلية التي يغلب فيها الأسود الابيض موطن الشيب ولئن دأب الكتاب وذووا المذكرات أو ما قالوا عنها في مرة من المرات أدب الرحلات ، على التدرج في أحاديثهم ، بدءا بيوم رحلتهم الأول ، ووصفا للمطار ، فالطائرة ، فظروف الإقلاعوحالة الاستقبال ، فإنني أعرض عن هذا النمط من الكتابة ، وأضرب عنه الذكر صفحا ساعيا إلى تجاوز المعتاد، راغبا في كتابة ما أراه مناسبا في شكل حلقات سأودعها أسرارا اكتشفتها بنفسي و سأحدث بها القارئ والمهتم،ذاك أن الطريقة اليوم تغيرت عما كانت عليه ، من منا لا يستطيع البحث عن الاشكال والأحجام والمساحات والشخصيات الشهيرة على موقع الكوكل مثلا ، هل عندما أكتب اليوم كتابا أقصد فيه موريتانيا على وجه الدقة ، أعود لأضع مدونة عن طول ساحلها ودول جوارها ومن كان فيها رئيسا وكأنني في درس جغرافيا ، لا أعتقد أن هذه المهمة لها من حيز الكتابة مكانا ،إنما أتحدث عنها بعيوني ، أعيد اكتشاف تربة حمراء في أقاصيها ما زال عبد الغني الحديثي في باريس أعظم خطاطي الدنيا يستخدمها ليثبت بها ألوان لوحاته الحمراء ، مستخدما طريقة العباسيين في الكتابة لايزيد عليها لونا أو شكلا ، ويحارب بتراب موريتانيا صنعة الكيماويين الذين غيروا معادلة اللون الطبيعي الى لون الصناعات وستخونني بلا شك عاطفتي كعادتها عندما يتعلق الأمر بمن أحب ، فأنا ـ وسيد الأدلة الاعتراف ـ ضعيف ، لا أقوى على التصدي لزوابع العواطف عندما تهب ، وفي الحقيقة ـ وحتى أكون أمينا مع القارئ ـ فأنا أعشق أهل موريتانيا ، فقد علمتني غرفة الأخبار في قناة الجزيرة مثلا أن التقي يوميا بكل الجنسيات العربية ، إنهم مادة لكل شيء ، اراهم أكثر من أبنائي وأهلي ، وما زلت عند قولي ، لم تبق في القلوب بقية صفاء وفطرة ، كما هي عليه عند الموريتانيين ، حين أتحدث مع أصدقاء منهم في الدوحة مثلا ، أتفهم أحدهم حين يقطع سلسلة الحديث معك ويغادر فورا من غير أن يسلم وكذلك الحال مع حديث الهاتف ، عندما تبدر منه تبدر من قلب طيب لا يتكلف ومعظمهم يفعلونها فيكل مرة ، النهايات عندهم على استقامتها ، فتخرج الأمور سجية لا تصنع فيها ، هذا أفضل من ذلك الذي يتحدث نصف المكالمة بالمجاملات ، وهو يعرف وأنت تعرف أنه يجامل وحسب ، أتعلم من الموريتانيين أن الاشياء بحقيقتها والإنسان بالقلب ، وما يأتي بعد ذلك يبنى على ما قبله . و أظنني سأكتب عُشارية كُبسية عن الشناقطة ، وستولد عشريتي هذه ولادة طبيعية لا قيصرية ، لن يكون فيها تَصَنُّعَ ولا تكلف ، سأذرها تطوي المكان إلى اللا مكان.. محدٍّثةً عما رأته العين، وأدركه العقل ، ثم أنها تحاول أن تتنفس اللغة ملء رئتيها، وربما قست قليلا عند أعتاب التنمية المهدورة في بلاد السواحل وثورة السمك المنهوب من المستعمرين الجدد، غضبى من إهمال الكبار للشباب، وما نتج عنه من هجرة للعقول الذكية والمدربة ، وهل تخسر موريتانيا اليوم أكثر من طرد الكفائات الذكية الشابة. ولست بناس في هذه العجالة أنني أكتب للكبار في فن الكتابة ، ويا ويلتاه من الكبار، لأن رهبتهم ستحبس مداد قلمي ، وتحول بيني وبين عفويتي المعتادة ، مع أنني سأقاومها في حدود الإمكان ، أعرف بعض الكتاب يضعون للتعليق في بداية كتبهم عبارات تذهب يمنة ويسرة لكن فحواها يعني أن الطريقة التي كتب بها هذا الكتاب ليست منهجية ، والمنهجية التي يقصدون إنما يريدون بها ذلك النمط القادم من تقسيم المادة العلمية وسبرها والبقاء عليها في رتم واحد كأنما الكتاب يمشي مشية رجال العسكر ، في الحقيقية هم يقولون هذا ليهربوا من ملاحقة عيون اصحاب الصنعة الذين يشبهون ضابط الجيش ، فيهربون الى أنواع أخرى من الكتابة . والحال كذلك مع معظم المتحدثين ، يذرع أحدهم المكان بعينيه ويراقب من يجلس عنده ويبدا بالحديث ، وفي عقله يقول إن فلانا العالم المتبحر في اللغة العربية قد أحصى لي حتى الساعة مائة خطأ لغوي ، فيخاف اللغة ويتلعثم بمادة العلم ، وبعضهم يقول من البداية ، نحن لا نحسن هذا فتجاوزوا عنا دقة اللغة الى المعنى ، أذكر ذلك المثال الذي اضربه عادة للمتفيقهين أو الذين يكثرون من مد شباك المصائد يلتقطون أخطاء الكلمات ، ويذرون كل المعاني حولها ، والمثل هو " ما لذ طبيب بطعام ولا نحو بكلام " فالطبيب يخشى اللحم على الهضم ، وغسل الخضروات على الفوات ، والسكر من مغالبة القدر ، بينما تكون أذن النحوي قاسية ، كمن يسمع نشاز الموسيقى ، يسمع نشاز تطاير اللحن الكلامي ، فإما أن يقول للمتحدث أو الكاتب أخطأت فيستريح قلبه وتنزل عليه الماء الباردة ، أو يدعها في قلبه فتحرقه حرقا كجمرة في قفص الصدر ، لهم الحق في ذلك لبعدنا عن اللغة وقوتها وجمالها ، ولنا الحق أن نعبر عن مكنوناتنا إذا كنا ضعافا في اللغة وأن يأخذوا الفحوى ، هل تريدون أن نقصي تسعة وتسعين بالمائة من الأمة لا يحسون صنعة الضبط القواعدي ، وأتذكر بعض الأفكار يوم قررنا أن نطلق مشروعا شبابيا على الأنترنت ، في حينها كان بين أيدينا قرار جريء ، يكسر قواعد غرف الأخبار في الإعلام ، وهو أن ندع الشاب يكتب ما يريد ، ولن نصلح له حرفا واحدا مما يكتب ، فننشر السقيم من الكلام والمعاني ، ثم الجمهور بعد ذلك يستدرك ، كان ذلك في تأسيس موقع الجزيرة توك ، نريد للكاتب أن يصعد أول السلم ، ويستكشف نفسه بنفسه ، بعد عام من هذا كلهم تحسنوا وصاروا يراقبون أنفسهم ويعرضون على غيرهم ، إذن يمكن أن نقول أن المدققين اللغويين في موريتانيا وفي العالم بشكل أبعد عليهم أن يأخذوا نفسا عميقا ويتساهلوا مع النشأ الذي تربى في بيئة تكاد تنحرف عن المقصد والمطلب والفكرة ، فلا تقطعوها عليهم فيخافوا ، بل مدوا اليهم يدا رقيقة وسيصلحون لغتهم وطريقة عرضهم لأفكارهم تباعا فاهلا الآن بالكبار المتعقلين ، الذين يفهموا حاجات الشباب ، فهي شبيهة بالبعد السياسي والاقتصادي ، فالتكوين لكل أحد ينبع من مجمعة أشياء تسمى فيما بعد الحياة ، تتشكل بالأجزاء والنفس حجر فيها مثل العقل والتلقي ، فهذا من هذا ، واللسان بيان .

القوة الثالثة الموريتانية

لاحظت أن الموريتاني الفرد أفضل من غيره من الأفراد، والموريتانيون كمجموع أقل من غيرهم في أمر المجاميع لاسيما في أمر البداوة والحاضرة ثم التمدن، وذك أن الموريتاني الفرد يحمل صفات الأدب، ويغلب عليه ضعف القلب وسلطان الحب، إنهم كأفراد رحماء لطيفون للغاية، وإنما الراحة في الأنس بالناس وسكينة المنزل، أما الغضب فللدين بينما الغيرة على العرض، ومن هذه الصفات ما تحدث عنه الكواكبي. ولأن الصحراء والبداوة لعبت لعبتها معهم، فإن الواحد فيهم صار بالأصل معتمدا على نفسه هو وما يملكه مع العائلة، وليس بمحتاج للدولة أو الحكومة في تسيير أمره، هذا فيما مضى حتى أن "انواكشوط " العاصمة كانت بدعة عليهم، لا يحبونها ولا يطيقون العيش فيها، حتى اضطر مؤسسها لرشوة الأهالي ليسكنوا بها أول الأمر، عندما كانت المدينة الوليدة تعافها النفوس ولعل هذا التدافع جعل من البدوي لا يرتهن أمره بيد الوظيفة الحكومية ولا يلقي بالا للتنمية في بلاده بشكل عام لا سيما في بداية الطريق. ومع بزوغ فجر الوعي في المجتمع، وخروج نخبة تفهم معاني التنمية وتحارب الفساد، حوصر الجديد الحيوي باستبداد معاوية ولد سيد أحمد الطايع، وإلى اليوم ظل الجهاز الحكومي مرتبكا في الإدارة والتخطيط ومعرفة كنه الثروات الموريتانية من معادن وثروة بحيرة واستثمارات أين تذهب. تنمو الظاهرة السياسية في البلد عرجاء، وربانها في الغالب من الحرس القديم، وتنقسم بين الناس إلى قسمين وفي حقيقتها إلى أربع.. أولها يرتبط بالدولة والرئيس وكل ما يندرج تحت ذلك المسمى، ويعلم الرئيس ومن دونه أن الشعب غاضب للغاية، ليس على الرئيس وما حوله، بل على وضع البلد ككتلة واحدة لا يرتبط منبع الغضب بشخص الحاكم أو عشيرته ولو روجت المعارضة لذلك، وإنما من تخبط مشاريع التنمية والفساد المستشري، وهي موجودة في موريتانيا منذ سنين، بل يسعدني أن أقول إن الفساد المالي وسوء التخطيط هي الحقيقة الوحيدة الماثلة في البلد. كل شاب في موريتانيا يعتقد أن بلده لم يزل مستعمرا اقتصاديا من غيره. ولك أن تفتش في خبر شركات البحث عن المعادن، لا تراها العيون، ولا ترى العيون ما تخرجه من الأرض، ولا يعرف الحاسب كم خرج من الأرض ليودعه الحساب وأخرى، تستأجر ساحل المحيط طولا وعرضا، تجني الخير من ثروة السمك ويبقى الموريتاني فقيرا في نفسه فقيرا في بنية بلده التحتية، يأكلون اللحم ويلقون على الشباب العظم. فموريتانيا كما يقولون – دولة غنية وشعب فقير – هذا إذا ما قارنا ثروات البلد بعدد السكان، ولذلك لم تفلح كل الحكومات في الناحية الاقتصادية وهي الأهم اليوم تقديم شيء ملموس للمواطن سوى بعض الطرق التي رصفت، ويقول عنها الأهالي إنها بأسوء أنواع الإسفلت وفي أصل المدن أنها يجب أن تبلط منذ100 عام. أما في ثنايا السياسة فإن أمر الحكم غريب، وهو قادم من مدرسة تسير وفق أمواج كالظلل، أو عكس التيار في كثير من الأحيان، إنها وعلى أقل تقدير لا تشبه مدرسة الشرق، وإنها في آخر طبعاتها لم تمد جسورا في الصلح مع منطقة الخليج الغنية والمؤثرة، بل وحتى في حسابات اللحظات الأخيرة من الوقوف إلى جانب القذافي وصالح، بيد أن ما هو أكبر من ذلك، هو اللعب على متناقضات خطرة، وهنا لابد لي من إفراد مساحة جيدة لهذا الباب ، وأهمها العلاقة المتنامية بين إيران وموريتانيا.. ولا أتحدث فقط في حسابات المصلحة المنظورة، إنما في باب آخر دول تفكير مؤسسات الحكم. تلكم إيران يا سادة، المقبلة على كل أمة في الأرض، تريد أن تجعل لها وتداً في تربتها.. ولكل بلد لإيران فيه طريقه، وهكذا مع موريتانيا، يبدأ مع الفقراء بالتبرع بأمور قل ثمنها وزادت سمعتها في العيون، كما فعلت حين أهدت عشرات من سيارات النقل الجماعي إلى موريتانيا، ثم يتبع ذلك إن ظل الطريق مفتوحا إنشاء ملحقية ثقافية سخية في المطبوع والملبوس والمعروض، هذا من باب الداخل وعلاقتها مع الجماهير، حتى تبدأ مرحلة جديدة، وهي تفريخ أبناء صالحين يحملون منهجية الانتصار لفكر الممانعة والوقوف بوجه إسرائيل، ومن منا لا يقول: الأمر على العين والرأس.. يا حيا الله الممانعة، ولا سيما عند أعتاب موريتانيا التي يحمل أهلها أرق العواطف في الأرض، لكن الأمر كمن يقرا نصف الآية ويسكت . أما عن خبر زيارة وزير الدفاع الإيراني الى موريتانيا، فقد بان الحديث فيه، فاعرض ما سبق وحلل ما يلحق . أما القوة الثانية، وأعني المعارضة.. فإنها في غالبها تمارس سياستها بشيء من الاستعراض القديم، ولا أظن أن لديها القدرة على صناعة جديد لصالح البلد، ذاك أن الحديث ما زال ينصب على شخص الرئيس وجداول الميزانية ونقد الاتفاقيات هنا وهناك. إن ما تحتاجه موريتانيا قبل السلطة وبلاويها، هو الشروع بصناعة مؤسسات حقيقية من خارج جسد الدولة، وهذا أكبر تحد سيواجه المعارضة لأنها باستلامها اليوم أو غدا لمقاليد السلطة على سبيل المثال، فإنها ستجد نفسها عند أعتاب ميزانيات فارغة من الدرهم والدينار بل وديون عريضة، ومؤسسات دب مرض الوظيفة الحكومية المتكاسلة في جسدها والفساد، ولو أرادت الإصلاح حين السلطة ستحتاج إلى سني حكم خمس لتضع أوراقا في الميزانية وتقيم المؤسسات، فالمعارضة الموريتانية تسبح في شاطئ ديمقراطية المعارضة بدون مؤسسات، فلن يفرق عند القوم، إن حكم عزيز أو غير عزيز، فالأمر أكبر من ذلك، إنه أمر دولة كاملة تحتاج إلى إعادة خلط الأوراق . القوة الثالثة... وهي عنوان المقال، إنهم الشباب، أمل موريتانيا، والمعول عليهم في إيجاد التغيير والتنمية، وهم من ينتظر منهم كذلك حل مشاكل الوحدة وتركة ولد الطايع 87\89\91. وجيل الشباب في موريتانيا مثقف وهو مرتفع علميا ومدنيا على الجيل والأجيال التي سبقته، وفيه طبقة جيدة من المتعلمين والمفكرين والسياسيين الجدد، إنما ينقصه اليسير من التضحية. وهنا جاء الدور على صراع يأخذ شكل موريتانيا المستقبل . إن الحديث عن الشباب هناك يعني كذلك الحديث عن الهجرة من أرض الوطن لدواع اقتصادية ومدنية، ولو فكر الحاكمون والمعارضون أن الاستنزاف الأكبر لمشروع موريتانيا المستقبل إنما يأتي من هجرة العقول، أو من عدم القدرة في إرجاع العقول الذكية المهاجرة، وكأنما كل أحد وجد في نفسه بعضا من الذكاء والقدرة على إيجاد وظيفة في الخارج، فكر في إيداع عقله لجهة أخرى، ودائما خارج موريتانيا. إن فئة الشباب والعقول الشابة في موريتانيا وخارجها ينبغي أن توضع من الآن في حسابات الحكومة التي ستأتي بعد سنوات في صالح مشروع تنمية موريتانيا أفقيا وعموديا. أما القوة الرابعة، فإنما هي عائمة، و مستمدة من الجماهير، تلك التي تشكو الحالة الاقتصادية بالدرجة الأولى وغياب التنمية، وهذه الفئة صارت أكثر وعيا ويمكن التأثير عليها بخطاب العقل والدين والمشاريع، بعد أن كان خطاب القبيلة المنتشر هناك أو التوزيع المجتمعي للطبقات هو السيد دون غيره

أخوات الخليل

بينما كنت في مراسيل فيسبوكية مع أصدقائي من بني شنقيط على موقع التواصل الإجتماعي دارت بخلدي بدعة تواصلية ، فقلت لإصدقائي ، سأفتتح لكم سوق عكاظ فيسبوكي ببيت شعري ، جاء وليد لحظات وداعي لمدينة انواكشوط ، يوم انتهت زيارتي لها ، وأرجو أن تجيزوه بمتتاليات شعرية ، تخلد إلى أبد الآبدين ، يقول البيت : ... أستودع السر في شنقيط أجمعها .. من رقصة الترب في البيداء تشجيني فانطلق سوق الشعر تعليقا وتهويما ومنعرجا كما يقول الشاعر الشاب الطموح أحمد مولود ولد أكاه .. وانبرى الأصدقاء بين معلق ومشجع و ناثر نثرا وقارض شعرا حتي تشكل نص شعري من خمسين بيتا وستقودني هذه اللحظة الشعرية بين العراقي و الشناقطة إلى العودة إلى الوراء، لأنقب في تاريخ الشعر العربي ،عن سر نشوء الذائقة العربية وقبولها لإيقاعات موسيقية في النص الشعري ، دون أي تقعيد ، لقد كانوا يقرضون الشعر على السليقة ،إلى أن جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي ، حيث افترض أن التناسق العربي في المحكي قاعدة حاول أن يؤسس عليها علما سماه العروض، وقصته هي شاهد الحكاية تقول القصة : . إن الخليل بن أحمد الفراهيدي مر بسوق "صفافير" بغداد "سوق أواني النحاس المستطرقة " فوجد أصوات الطارقين موزونة موسيقيا وتبعث في الصانع همة، كأنما يجمعها خيط ناظم في أوزان متناسقة. ولو كتب لك أن مررت اليوم بالسوق ذاته على تغير الأحوال، ستجد طرقا رتيبا بين صانع وآخر، وبين محل وثالث ورابع ،كلهم يدقون فيأتي الإيقاع : طق طق ططق، طق طق ططق طق طق ططق ، أو هم يقولون بصوت الطرق " مستفعلن ، مستفعلن مستفعلن".. حسب ما خيل للفراهيدي. ومنذو ذلك الحين أصبحت أسماع أهل بغداد تأبى النشاز ، لقد تبين فيما بعد أن شاعرية العرب كلها منحوتة بالأصل على هذا الذوق السليم من فنون الموسيقى نازلة وصاعدة في الأشعار لا تحيد قيد أنملة ، وما كان يعرف امرؤ القيس خبرها ولا عنترة بل ولا ابن ثابت ولا المتنبي على أنهم لا يحدون عن الأصل قط. فالعربي إذن يحمل جينات التفعيلات المتناسقة أبا عن جد مصداقا لقول نزار قباني : إذا أخذنا دبوسا وأدخلناه تحت الجلد العربي يخرج منه سائل يسمى الشعر،هكذا حافظ الموريتاني وهو بهذا الحيز الجغرافي النائي في طنة أذنه بأخوات مستفعلن و مبقيا على ذلك المورث الذي لم تلوثه بعد متاهات المدينة وألوان ضياع الهوية في بلدان أخرى تحت بند العولمه. فالموريتاني يودعها على أعتب السماع ، شعرا لينا سائغا تشربه الأذن دون اللسان ، وكثيرا ما قيل ، لماذا موريتانيا بالذات، وكأنها أم الشعر الأولى وأبوه مع أن الشعر جاء إليها يوم دخل الإسلام ديارها على الأرجح. والجواب في ذلك حسب ما أرى أن موريتانيا اليوم تشكل عينة من المجتمعات العربية القديمة تَوَقَف عندها الزمن في الإبقاء على تتابع إرث التلقي، من أفواه العارفين بالشعر إلى أسماع المتذوقة. صمت هذا المقطع منذو ما يقارب ألفي عام ..وتكلم في موريتانيا هذه الأيام، وبمستوى من الإبلاغ والإبانة قد لا تجده في غيرها من البلدان العربية وأقترح على الشباب الموريتاني ، وإنني لجاد في هذا الاقتراح ، أن يقيموا سوقا للشعر ، أو مربدا ، ليجعلوا مكانه ، تلك النقطة التي يسمونها نقطة ساخنة ، إنها تطل على المسجد السعودي على مقربة من فندق الخيمة في مركز المدينة أقول : إن عليهم أن يعيدوا سوق عكاظ حقيقة لا مجازا، وما سوق عكاظ عليهم ببعيد ، ألم يطمح أحد شعراءهم إلى منازلة صحابي جليل في الجنة إنه الشاعر اليعقوبي المعروف بابن الطلبة حيث كتب قصيدة رائعة على طريقة الأولين، فيها ذكر للصحراء والبداوة والصيد والسهام، واعتبر أنها أحسن من قصيدة للصحابي الجليل الشماخ بن ضرار الغطفاني تشترك معها في البحر والروي ، فقال قولته الشهيرة: ( أرجو من الله أن أقعد أنا والشمّاخ بن ضرار في نادٍ من أهل الجنة، وننشد بين أيديهم قصيدتينا، لنعلم أيهما أحسن). والشماخ هو صاحب القوس العذراء التي باعها فندم وقال فيها شعراً طوّره محمود محمد شاكر إلى ملحمة شعرية رائعة. ومرة أخرى عارض ابن الطلبة قصيدة للصحابي حُميد بن ثور الهلالي فقال: ( أرجو من الله أني أنا وحُميد بن ثور ننشد قصيدتينا في نادٍ من أهل الجنة، فيحكمون بيننا). وإذا أخذتم تصريحا حكوميا لسوق عكاظ وافتتحتموها؛ سوقا نابضا بحياة الحروف من جديد، فحينها اكتبوا في زاوية من زواياه أن عراقيا مر من هنا، وتخيل أن هذه الساحة قرب المسجد الكبير وجدت لتكون سوق عكاظ، وحينها سأقول عندكم أبيات شعر ، ولكن ومع أسفي الشديد، أنها لن تضبط على إيقاع الفراهيدي فقد خالطنا الكثير من غير العرب

جيمها وجيمها وجيمها

ما أجتمع ثلاثة إلا وكان رابعهم شيطان كأس الشاي، ولك أن تقلل العدد إلى الواحد، ثم ارفع العدد ما شاء الله لك أن ترفع، فلا ضير وهذا المقال مخصص عن الشاي الموريتاني . لقد أتى الأصدقاء الثلاثة المشار إليهم في الرقم أعلاه من موريتانيا إلى بغداد، لم أخطئ، نعم من موريتانيا إلى بغداد أو قل موريتانيون إلى بغداد.. وهم محمد المختار الدمين وهو الآن مدير موقع الجزيرة نت والزميل محمد بابا أشفغ وهو مدير مكتب الجزيرة في موريتانيا وحاليا في غرفة أخبارها في الدوحة ، وصديقي الثالث محمد سيدي وهو محرر أخبار مهم في الجزيرة نت، جاؤوا إلى بغداد في مهمة صحفية، وهناك تعرفت على فضيلة السيد الأخضر، منعنعا ومشعشعا ومسخنا . والسيد الأخضر فيه من الخداع ما فيه، ومن خدعه طقوسه، وتلك لعمري لا يشترك فيها مع الموريتانيين أحد، في الحقيقة إنني أتحدث على الشاي الموريتاني لكن ثمة مشكلة جوهرية في هذا الباب، كيف لعراقي أن يصف الشاي الموريتاني، إنني في مصيبة، لأنني سأنسف بطبيعة الحال الطقوس والألوان، وأضع لها في الحساب صفرا، فهل أبدأ من الصفر، أم من الوصف. دعوني وصفري، وستعرفون المشكلة ومحلها، فالشاي العراقي طيبه بثقله وحرارته الزائدة ويا للمشكلة إن نقص الشاي عن حد القدح الصغير من الأعلى "الاستكان" ففي حساباتي وانطلاقا من هذه الثلاثية سأعطي للشاي الموريتاني صفرا . بدأت القصة مع الشاي في عام 2003 بعد سقوط النظام في بغداد، حين دخلت قوات الاحتلال، في الحقيقة كان الموعد بيننا قرب ساحة الفردوس، هل تعرفونها، كلكم تعرفونها ولا شك، إنها الساحة التي سقط فيها تمثال صدام حسين يوم دخلت قوات الاحتلال الظالمة، كنا نجلس على مقربة منها ونشرب الشاي الموريتاني، وللشاي ما له من تبعات وأحاديث، من نواكشوط إلى بغداد لا ندع شأنا حق لذاك الشاي أن يوصفا في مجلس صاف وذو صفا. وهنا بدأت اللعبة، كنت أراقب الرياضة الجديدة في يد الأصدقاء الثلاثة، وهي شبيهة بلعبة كرة السلة في قدح من الشاي صغير ترتفع يد ول أشفغ عاليا أو قل مترا عن فوهة الكأس، وهكذا يودع حبل الشاي المنسدل من العلياء فم الكأس الصغير، يا لها من لعبة وأنا أنظر أو أنتظر قطرة تسقط ذات اليمين أو ذات الشمال دون الكأس، لكن الرياضي في لعبة الشاي الموريتاني كان راميا لقوس الشاي دقيقا، فلا قطرة سقطت ولا هم يحزنون، ثم هكذا بقدرة قادر، وعلى كثرة الرماية السهمية في القدح، صار شكل كزبد البحر، وكأن في الأمر حيلة. هل استبدلوا الشاي بالرغوة، لعمري ذاك الأدنى بالذي هو خير، فأين الشاي من الرغوة وتوابعها، لكن لماذا العجلة، والأمر لم ينته بعد، إنما الحكم ساعة يقدم لك، أو قل ساعة تتذوق، فتقول أحسنتم، أو ربما.. ضيعتم . قل قدموا لي الشاي أولا، على أنني ضيف عندهم من نسب الشاي، وهم ضيوف عندي بنسبة المكان، لكن الحقيقة أن ما قُـدم لي هو زبدٌ وحسب، ما رأيت غير ذلك، فكيف تراني أشرب الهواء . قل هكذا صرت مجربا ولأول مرة شايا، أو ما يقال له إنه شاي، وأودعته شفتي مشفقا على نفسي أنني أركن للفراغات . وكان أن اكتشفت الحيلة، وعلمت فورا أن البركة في القعر، فلا يغرنك يا عامر الزبد فتجاوزه وأشرب الكأس سريعا، فسينسدل على لسانك الشاي الحار أو نصف حار، من حيث لا تشعر.. ها أنه قد خرج إليك، وهكذا تعلمت أن هناك لعبة ثلاثية أولها صَعب وأوسطها جَهد وثالثها سَهل، والصعب صناعة الشاي، والجهد من الطريقة التي يصب بها، فدعوني وثالثتي ، أن اشرب وحسب . وعلى كل حال لن العب الأولى، لا ولا حتى الثانية، فلا أظن سهامي إن أمسكت قدحا ستصيب. المشكلة أنني ما زلت أتحدث عن أمر بعيد، وهو مشاهدات الشاي الموريتاني في بغداد، ولم أتكلم عنه في موريتانيا، حيث الشاي كما يقولون أعز موجود وأغلى مفقود وثالث الاثنين... حتى أنني سمعت أن أحد مشاهير موريتانيا -حين سؤل عن عروبة المجتمع وسلوكه-قال الناس في موريتانيا يشربون الشاي وحتى أكون منكم ومن بينكم، فخذوا عني هذه التي تعرفونها، الجيم والجيم والجيم، نعم هي ما شاهدتموه في عنوان المقال، إنما هي جيمات ثلاثة، جمر، جماعة، جر.. على غير الموريتاني أن يتأكد من أنني ما زلت أكتب باللغة العربية، صدقني إنني ما زلت على ذلك، أما الموريتاني، فإنه سيضحك ويشرح الثلاثة، فأول جيم مأخوذة من الجمر، وعليه سيتأتى لجنابك شاي رائق، استكمل وقته على الجمر ففار، على خلاف الشاي المولود من رحم نار الغاز، الذي يسلق سلقا كما البيضة، الريح ريح الشاي والطعم طعم الأكل. وثانية الجيمات، هي الجماعة، ومن الغريب أن الجماعة تتحصل بواحد فقط، وكأننا في معرض "إن إبراهيم كان أمة".. فقد يسرح الخيال بشارب الشاي فيكون مع المجموع وهو وحيدا، والجماعة ما فوق الثلاثة، وكلما زاد العدد زادت الجودة في الصنعة، فأنت ومن معك، على أن الطيور على أشكالها تقع، فمن جماعتك في الشاي أعرف من أنت . وثالثة الأثافي كما قالت العرب "الجر" وهو ابن عم حرف الجر، الذي يأخذ وقت ما بعده فيكسره كسرا، وكذلك جر الوقت يكسره الشاي، وهنا تتمايز الجماعات الجالسة للشاي بعضها مع بعض في تضيع الوقت أو احترامه، أيهم يكفل وقته . فالحريص على وقته يستقبل مع جماعته الخيرات، بدرس أو ثقافة أو شعر أو هكذا مشروع يبدأ العمل به ساعة يقوم القوم . والأكثر الغالب في الجر السلبي، وأسياده النساء، الحديث يستطيل بقال وقيل وما يقال، وتضيع الساعات تلو الساعات حتى يحزن الجمر فيذوب . وللنساء مع الشاي قصة! فجودة شاي الفتاة علامة فارقة قد تؤهلها للعش الزوجي، إذ طالما كان سببا رئيسيا لاختيار الزوجة. فانتبهي يا موريتانية . وبينما الأمر يطول فإن العرف قائم على أن تشرب الشاي دفعات دفعات، وكأقل ما تشرب ثلاثة كؤوس تتخللها فواصل تطول وتطول، وليس الرقم بالكبير، فالقدح صغير، والشاي في قعره فقط، وإنما يأخذ ربع القدح أو نصفه في أحسن الأحوال . وشاي الموريتانيين حلو فوق العادة، كثير السكر، إلا الأثرياء فيقللون السكر، وهناك من يشربه على مرارته مدعيا الثراء. وتمنيت لو أن كل موريتانيا غنية لتقلل السكر، فاشرب ما أريد في كل بيت ويرحموني من السكر الذي فيه قليل من الشاي، وليس شاي فيه قليل من السكر . ولا يلسع الشاي الموريتاني اللسان بسخونته، على أن المتذوق سيعرف أنه أشبه بشاي زادت حرارة النار عليه فأحرقته أكثر مما ينبغي عندهم، ولولا الأذواق لبارت السلع . وأخيرا، مررت سريعا على أحد الدور وما كان عندي من وقت، وكنت أعلم أن الفرض ثلاثة أكواب من الشاي لا تنقص، وعندما قدم صاحب المنزل الشاي في "السرفاية" أو الصينية أو حاملة الأقداح، اسرعت وأخذت ثلاثة من الاقداح ووضعتها في قدح واحد جديد، فزالت الرغوة المخادعة، وصار الكأس ملآنا كأنها عراقي أصيل، فشربت، وذهبت، وأنتظر كأسا آخر يجمعني مع جميع القراء

 

 

التعليقات

تعبر عن رأي كاتب التعليق

إضافة تعليق

رأيك يهمنا

CAPTCHA Image

مواضيع متعلقة